في رحلة الحياة، نُشحن دائماً بعبارات التحفيز التي تُخبرنا أن “السماء هي حدودك”، وأن بالإرادة والمثابرة نصنع المعجزات. نؤمن تماماً أن كل هدف مُمكن، وكل حلم قابل للتحقق إذا ما بذلنا الجهد الكافي. لكن، ماذا لو جاءت اللحظة التي يُطفئ فيها أحدهم ذلك الوهج الحالم، ليضعك وجهاً لوجه أمام مرآة الواقع؟
هذا بالضبط ما حدث معي مؤخراً في نقاش عميق خضته مع أخي.
حوار غير الحسابات
بدأ النقاش بيننا عادياً حول مفهوم السعي والنجاح وقدرة الإنسان على الوصول لما يريده بالمثابرة وحدها. كنت أدافع بشراسة عن فكرة أن العزيمة كفيلة بتحطيم كل الصعاب. لكن أخي، بأسلوبه الفلسفي الهادئ وقدرته الفذة على الحوار، أخذ النقاش إلى أبعاد أخرى. ضرب لي أمثلة واقعية دقيقة، وفكّك فكرة “الأمل الأعمى” بمشرط المنطق، ليجعلني أقتنع تدريجياً بصحة وجهة نظره: أن لا يفكر الإنسان بتفكير أعلى من الواقع، حتى لا يصطدم بصخرته الصلبة.
لم يكن حديثه محبطاً بالمعنى السلبي، بل كان دعوة للوعي؛ دعوة لإدراك أن التوقعات المرتفعة جداً قد تكون فخاً نفسياً، فكلما ارتفع سقف التوقعات، كان ألم السقوط أقسى عند الاصطدام بالمعطيات الفعلية للحياة.
فلسفة الواقعية الواعية
إن مشكلة سقف التوقعات المرتفع لا تكمن في الطموح بحد ذاته، بل في تجاهل القوانين والظروف المحيطة. فالمثابرة قيمة عظيمة، لكنها ليست عصا سحرية تلغي القوانين الطبيعية والبشرية.
حين نربط سعادتنا وسلامنا النفسي بتحقيق توقعات مثالية ومبالغ فيها، فإننا نضع أنفسنا في حالة ترقب دائمة وخوف مستمر من الفشل. الواقعية هنا لا تعني الاستسلام، بل تعني:
• فهم القدرات والموارد المتاحة: تقييم ما يملكه الإنسان حقاً من أدوات بعيداً عن الشعارات الرنانة.
• إدراك المتغيرات الخارجية: التسليم بأن هناك عوامل كثيرة خارجة عن إرادتنا، وأن سير الأمور لا يخضع دائماً لرغباتنا وحدها.
• تقدير الخطوات الصغيرة: التحول من انتظار النتائج الكبرى والمبهرة إلى الاستمتاع بعملية السعي نفسه دون ضغوط مدمرة.
بين الطموح والرضا
خرجت من ذلك النقاش برؤية مختلفة؛ أدركت أن التوازن الحقيقي يكمن في أن نسعى ونعمل بكل طاقاتنا، لكن دون أن نربط قيمتنا أو راحتنا النفسية بنتيجة قطعية قد لا تتوافق مع الواقع.
أن لا تتعدى سقف توقعاتك, لا يعني أبداً أن تتوقف عن الحلم، بل يعني أن تبني أحلامك على أساس متين من الوعي، بحيث إذا أصابت فرحت، وإذا حالت الظروف دونها بقيت متزناً وقادراً على النهوض مجدداً دون جروح غائرة.

أضف تعليق