في عصر أصبحت فيه الشاشات مرايا عاكسة لكل ما هو مزيف، باتت الظاهرة الأكثر إثارة للسخرية هي انتشار أولئك المنقذين الوهميين للبشرية خلف هواتفهم؛ دراما رخيصة تُصنع خصيصاً لجلب اللايكات وإشباع نهم التقديس الزائف، وكأن شاشات الذكاء والاتصال تحولت إلى مسارح هزلية لعرض بطولات كرتونية واهية لا وجود لها على أرض الواقع. وحين يغيب الفكر الحقيقي والعمق المستنير، يصبح اقتباس ما يمكن وصفه بـ”حكم المراهقين” هو الملاذ الوحيد والسهل لمن أراد التميز الوهمي دون بذل أي جهد عقلي أو فكري حقيقي، حيث يعتقد البعض جازماً أن كتابة جملة عادية أو مستفزة بخط عريض لافت تعني تلقائياً أنه أصبح حكيماً، وللأسف الشديد فإن ضحالة الفكر واضحة وفاضحة لكل ذي عينين.
إن السطحية في أبقى صورها وأكثرها إثارة للشفقة تتجلى بوضوح حين يصور أحدهم تفصيلاً تافهاً ويُرفقه بعبارة مأخوذة بحذافيرها من غلاف دفتر ذكريات قديم مهترئ، ظاناً أنه يلامس شيئاً عميقاً من وجدان القارئ. فالبعض يعتقد بغرابة أن مجرد استهلاك مفردات القسوة، والجفاء، والكبرياء المزيف كفيل بأن يخفي شيئاً من عيوبه، والحقيقة المطلقة أن هذا التكلف لا يخفي أبداً الفراغ الداخلي السحيق، بل يجعله مجرد تضخيم مضحك ومكشوف لكل نبيه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى والمعضلة الحقيقية لعصرنا هذا؛ عقول فارغة تماماً من أي محتوى، وعبارات منسوخة ومستهلكة بلا حياء، والأدهى والأمر هو أن أكثر من يصفق لهم ويطبل لتلك التفاهات هم ناس أسخف منهم، ليتحول المشهد برمته إلى حلقة مفرغة من السخافة الجماعية.
لقد وصل الانحدار الفكري بالبعض إلى حد أن أصبح أكبر إنجاز يتباهون به هو تحويل مواقف الحياة اليومية الطبيعية جداً والبسيطة إلى ما يشبه “المسلسل المكسيكي الدرامي” الصاخب المليء بالصراعات المفتعلة والدموع المزيفة بلا أي مضمون أو قيمة حقيقية تذكر. إننا حقاً أمام أزمة وعي حقيقية يستنسخ فيها الجميع أقنعة بعضهم البعض، ناسين أن الأصالة والعمق لا يحتاجان إلى كل هذا الصجيج والأقنعة البلاستيكية الرخيصة لكي يثبتان وجودهما، فالثمار الناضجة تنحني بهدوء، بينما تنفخ الرياح الطبول الفارغة لتصدر ضجيجاً لا أصل له ولا فرع.







أضف تعليق